![]() |
مسك التحليه : { ثُمَّ جِئْتَ على قَدرٍ يا مُوسَى } ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
{ ثُمَّ جِئْتَ على قَدرٍ يا مُوسَى } .. القَدر .. التَّوقيت .. الحِّكمة .. هي أبجَديّات العِراك العَقلي طُوال تاريخ البشريّة ! لِماذا .. ومَتى .. وكَيف .. أسئِلة تَعثَّر بها الإنسانُ في محاولاتِه للفَهم .. في مُحاولاته لإدراكِ سرّ ما يَجري ! مَن يكتُب تواريخَنا .. من يخُطّ ذَهابنا وإيابنا .. و ما مَوقع الّلوح المَحفوظ في أفعالِنا ..! هُنا .. يهَبك القرآن آية تفيضُ بالإجابات { ثمّ جئت على قَدر } .. كأنَّ القَدر هو سفينةَ موسى التي يتَهادى عليها ..! كأنّ القدَر ؛ طريق خَبيء .. راسياً في عُمقه تحتَ قَدميك .. صامتاً لا تُبصره ولكنّه يُبصِرك ..! و كل ّقدوم منك هوَ صعود إليه ! يعومُ موُسى في اضطراب المياه .. و منذ لحظة الميلاد ؛ تأتيهِ موجة مُسَخّرة .. ثُمَّ محبّة خفيّة .. ثمَّ انكسارة جبريّة لفِرعون .. ثمّ مَدين ؛ في انسيابيّة قدريّة ، تُمَهد لموسى مَشهد العبور و مشهد الخُروج ، و مشاهِد التَّكليم الجَليلة ! ما القَدر وما التَّوقيت ؟! انْظُر إلينا ؛ ونحنُ نبحثُ في الأفقِ عن صدى دعائِنا .. عن السّفينة التي نبنيها كل سّحر .. فلا نلمحُ كلّ غروب ؛ الا اليابسة تمتدّ .. وتَنفي لنا البَحر ! تّتسع الصَّحراء .. فيتّسع اليأسُ معها ، و يظنُّ العبد { بالله الظُّنونا } ! تظلّ المَطارق وحيدةً كلّ مَساء .. تودّ لو أن الّليل يُصبح قَطرة من ماءٍ ؛ كيْ تبدو السّفينة مَعقولة ! لو انّ مَوجة تأتِي ؛ فتَرفع انحناءتَك المَريرة .. ولا تُبق السّفينة في الجَفاف ! لا نسمعُ صوت التّنور ، و لا صوت أبواب السّماء مفتوحة { بماءٍ مُنهَمر } .. لا نَلمح الا حِيرتنا ! نرتَجف .. ربّما خشية سُقوط أردِيتنا ! أو اهتزاز بقيّة إيماننا .. نتأَرجح .. بين اليَقين وبين الإنتظار ! نكادُ نشتعل بنارِ الشّك المدفونة في عُمقنا ! ونودّ لو نبني برجاً ؛ فنطّلع فيه على الغَيب ! ما أبسَط الإنسان ! ينامُ على ضِفاف النَّحيب .. ولو أصْغَى ؛ لَسَمِع هدير الطُّوفان ! وَ قدْ قيلَ ( والغَيث يَحْصرُه الرّدى فَما يرى ) وإنّه لَفي السُّحُبِ .. ولكنّ ثِقَلها بِحملِها ؛ جعلَ سَيرَها بطيئًا ! فلا تتَعجَّل ..! و انتَبه .. للحِكمَة إذا صَمتَ الطّوفانُ .. واستقَرَّت سَفينتُك على الجُودي ! انتبه .. أنّ الحكمةَ الإلهيةَ تَتجلى في الأقْدَار .. وللأقدارِ مِيعادٌ ! إذ حاشَا لله ؛ أنْ يَفتحَ عليكَ السّماءَ .. وأنتَ لا تَملكُ إلا خَشبةً تَطفو عليها .. فتُكابدُ المَوتَ ولا تَموت ! { ثمَّ جِئتَ على قَدَر } .. هيَ الرّسالةُ لنا جميعًا ؛ " أنّ في تَصاريفِ الأَقدارِ استرَاحةَ صَهيلِ الأفكارِ " ! دوْمًا .. قبلَ الانتِهاءِ ، وبعدَ الابتِداءِ ، و ما بينَهُما ؛ تَتراءى الأحْداثُ لكَ .. مثلَ ضَجيجٍ غامِضٍ .. تَودُّ لو أنَّك تَفهمُ التَّوقيت ! تَرتابُ في دقّاتِ سَاعةِ الكَونِ .. وتَظنُّ أنكَ صِرتَ نَسيًا مَنْسِيًّا ! لكنّ اللهَ لا يَعجلُ لِعَجَلتِنا ؛ لأن الفعلَ الكونِيَ أوسعُ من دَبيبِ خَطَوتِنا المزروعَةِ في القَلَق ! دَومًا .. تَبدو لنا المَواقدُ بلا لَهيب .. ونَبتةُ الصَّبارِ في الصّحراء ؛ تَبدو أشواكُها ساكِنةً .. لكنّ ظَمَأَ الرّمالِ يَختبيءُ فيها .. ويكادُ يُعلنُ ؛ أنّ مواعيدَ الجَفافِ قد انْتَهت ! ثِقْ بِرَبِّك .. أن ثَمَّةَ الكَثيرَ منَ الينَابيع في الصَّمت الواسِعِ تَنتظرُ قَدرَ انفجارِها .. ولَحظةَ { فالتَقى الماءَ على أمْرٍ قَد قُدّر } ! فلا تَتعَجّل .. ورَتِّل على نَفسِك تَرتيلًا { ثمَّ جِئتَ على قَدَرٍ يا مُوسَى } ! لكنّ ذلكَ كُلَّه ؛ لا يَكونُ إلا لأصْحابِ المَعيَّةِ الخاصّة .. والمَعيَّةُ الخاصَّة مِنَ الله ؛ هي مُصاحبة مُوالاةٍ ونُصرَة ! والمَعيَّةُ العامَّة ؛ هي مُصاحبة اطّلاعٍ وإحاطَة ! وانظُر .. كمْ هوَ الفَارِق بينَ الصُّحبَتين ! الثانيةُ .. بَلغَت بِموسَى - عليه السلام - مقامَ { كَلا إنَّ مَعَي ربِّي .. سَيَهدِين } ؛ فَفلَقَت له البَحرَ طريقًا يَبسًا .. إذ كانَ { مُخلِصًا } ! هي إذن .. مَنظومةٌ عَاليةٌ من الأحْداثِ ؛ تُشكِّلُ موسى - عليه السلام - كَي يَبلغَ مُقامَ { ولتَصنَع عَلى عَيني } ! تَشتدُّ الأحداثُ ؛ كي تُسلّمَه إلى المقام المَخصوص { واصطَنعتُكَ لِنفسي } ! وذلكَ كُلّه ؛ كي تُصبحَ كلُّ خَطَواتِه مَوسومةً مُعنونَةً بقوله { و جِئتَ عَلى قَدَرٍ يا موسَى } ! ما أيسرَ الثّمن إذن { فَلبثَت سِنينَ في أهْلِ مَديَن } .. حينَ يكونُ المآلُ ؛ { وكَلَّمَ اللهُ موسَى تَكليمًا } ! و لقد قيلَ : دلائلُ الإعدادِ يُشَمُّ مِنها روائِحُ الاصطِفاء ! فانأَى بنفسكَ عن الاختيارِ والتَدبيرِ ؛ وقُل دَبِّر لِي فإنّي لا أُحسنُ التَدْبير ) ! وقد قالَها ابنُ القيّم أشرَفُ الأحْوال ؛ِ أنْ لا تَختارَ لنفسكَ حالةً سِوى ما يختارَهُ لكَ اللهُ ، ويُقيمك فيه .. فَكُن معَ مُرادِه منك ؛ ولا تكنْ معَ مُرادِك منه ) ! ثم نَبَّه ابنُ القيّم قائلًا و مَن تَأمّلَ أقدارَ الرَّبِ تعالى وجريانَها في الخَلق ؛ عَلِمَ أنها واقعةٌ في أليقِ الأوقاتِ بها ).. وظلّ تسبيحُه من بعد في فلك ( أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ) .. وذاقَ معنى ( وَهوَ اللّطيفُ بِعبْدِه ولِعَبده ) ! يا أيها العَبدُ .. ( إنّ سَوابقَ الهِمَمِ ؛ لا تَخرقُ أسوارَ الأقدَار) ..! إذ أسوارُ الأقدارِ ؛ منوطٌ بها حِمايةُ دعواتِك و أُمنياتِك ! تأَمَّل سُؤلكَ .. فقد كان ذاتَ يومٍ ؛ بذرةً لم تنضجْ في حُضنِ الشّمسِ .. سَيَّجَها اللهُ لك بالمَنعِ من البُروز ! و أحاطَها بسورٍ { باطِنهُ فيه الرّحمة } ؛ فكان مَنعُه لك عطاءً .. ولولا أسْوار الأقدارِ ؛ لكانَ حتفُك في ما تَمنيتَ و سَعَيت ! فردِّد ( ولا مُعطِيَ لما مَنَعْت ) .. إذ كلّ شيءٍ { عنده بِمقدار } ! و تَأهْب لِفَهم معنى { على قَدَر } .. و تَأدَّب إذ ( بِاحْتِمالِ الْمُؤَنِ ، يَجِبُ السُّؤْدَدُ ) ..! واصْبِر على أسرارِ حِكمَة اللهِ في القَدَر ! وسَبِّح في عُبوديةٍ واستسلامٍ ؛ معَ حَركةِ المَوجِ التي تَغمرُ الوجودَ ! معَ طاقةِ الخيْر .. معَ تَسبيحِ الكونِ .. مع كلّ ذرةٍ تُنشدُ تَراتيلَ الصّلاةِ .. دونَ أنْ تُوقِفَ حُلمَك بمائدةٍ على النّجوم ! { ثمّ جِئتَ على قَدَرٍ يا مُوسَى } .. هُنا .. يَبسطُ القَدرُ كفَّه ، ويحتضنُ لك النّهارَ ؛ لأنكَ في عُمقِك كنتَ شُعاعَ نورٍ .. تَليقُ بكَ مَعيَّةُ اللهِ ! |
رد: مسك التحليه : { ثُمَّ جِئْتَ على قَدرٍ يا مُوسَى } ..
الله يعطيك العافييييييية |
الساعة الآن 02:51 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir